شباب اولاد سيف

    «هل وقعت الحرب الإسرائيلية على غزة حقاً؟»... نقاش في الحالة الإعلامية الغربيه

    Admin
    Admin
    Admin
    Admin

    المساهمات : 191
    تاريخ التسجيل : 18/12/2008
    العمر : 24

    «هل وقعت الحرب الإسرائيلية على غزة حقاً؟»... نقاش في الحالة الإعلامية  الغربيه Empty «هل وقعت الحرب الإسرائيلية على غزة حقاً؟»... نقاش في الحالة الإعلامية الغربيه

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء فبراير 03, 2009 5:51 am

    عندما يقف الإعلامي بين الحياد الافتراضي ومراعاة القوانين واللوبي اليهودي.
    من حق المرء ان يتساءل وهو يتابع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في قنوات التلفزة الغربية: هل حقاً وقعت الحرب؟، الفيلسوف والمنظّر الفرنسي جون بودريار كان طرح السؤال عينه خلال حرب الخليج قبل سنوات. والسؤال قد يكون «كابوسياً» ومزعجاً وصادماً للوهلة الأولى، لكن مراجعة سريعة لما قصده بودريار، قد تساهم في تخفيف وطأته، كما قد تساهم في فهم الحالة الإعلامية الغربية الغريبة بما أصابها من شلل في نقل فظاعات الحرب في غزة، لتصبح بذلك «خارج التغطية»، تارة باسم الحياد والمهنية، وتارة بسبب الحملة الاستباقية الإسرائيلية لتقييد الإعلاميين والحدّ من حركتهم وعزلهم وحصرهم في ما توفره لهم من معلومات (بروباغاندا)، وتارة أخرى بسبب المعهود من ضغوط اللوبي اليهودي. في كل الأحوال، ومن وجهة نظر بودريار، فإن عدم وقوع الحرب لا يعني عدم وقوع عدد كبير من الضحايا والدمار لدى الطرف الأضعف، بل يعني ان هذه الحرب ليست مثل الحروب التقليدية التي تجري بين جيشين: إنها حرب افتراضية تتم على مستوى التكنولوجيا والصورة بدلاً من المواجهة المباشرة. حرب تتم بين طرفين غير متكافئين، بلا مفاجآت وتقريباً بلا ضحايا من الطرف الأقوى: كل شيء يسير وفق مسار مخطط مسبق، والنتيجة مقررة سلفاً، والباقي هو جزء من العرض. إنها مثل ألعاب الكومبيوتر وحرب النجوم، كل شيء يتم من بعد، عبر الأقمار الاصطناعية والرادارات والكومبيوتر والخرائط. لا توجد أهداف واضحة للحرب، لذا تصبح مجرد استعراض مهول للقوة تستخدم فيه أحدث ما توصلت إليه المختبرات العسكرية من أسلحة فتاكة. أما الإعلام، فمحاصَر وممنوع من تغطية الحرب، يُعدّ تقاريره بعيداً من ارض المعركة ومآسيها، وليس أمامه إلا ما يتاح له من صور مرت على مقصّ الرقيب.
    أو ليس هذا ما جرى في غزة؟ أهداف إسرائيلية مرتبكة للحرب بدأت بالتعهد بإسقاط حكم «حماس» والقضاء عليها، ثم وقف إطلاق الصواريخ، وخفتت قرب النهاية لتنتهي الى وعد بتغيير الوضع القائم في القطاع، وافتعال اتفاق تهريب الأسلحة لتحقيق إنجاز.
    ألم يكن هناك استخدام منفلت للأسلحة الفتاكة في غزة، من قنابل فوسفورية الى قنابل «الدايم» الى اليورانيوم المنضب؟ ألم تكن تقريباً حرباً بلا مواجهة ولا ضحايا إسرائيليين: فقط استعراض جوي للقوة أشعل سماء غزة بـ «ألعاب نارية» كما كان يحلو للمتطرفين الإسرائيليين ان يسموها وهم يشربون الأنخاب من على تلة تشرف على القطاع أُطلق عليها «تلة العار». أما الإعلاميون، فكانوا يتابعون من بعد، ومن على التلة، القصف الإسرائيلي المتواصل والمنفلت، من دون ان يقدروا على الوقوف على حقيقة ما يجري أو رؤية وجه الضحية أو معاناة الناس أو تفاصيل المأساة هناك في الطرف الآخر؟ وأخيراً، ألم تكن النهاية معروفة سلفاً؟
    هكذا، منذ البداية، حُرم الإعلام الغربي من دخول أرض المعركة، وكانت مصادره إما إسرائيلية أو غير مباشرة، فجاء نقل الوقائع «ملطفاً»، بل ألطف بكثير من حقيقة ما جرى. هذه الحال أوجدت تغطية إعلامية متفاوتة، خصوصاً بين الإعلام الغربي المصادَر، وبين الإعلام المحلي والعربي الموجود داخل غزة، مثل قنوات «الجزيرة» و»العربية» و»المنار» و»الأقصى»، وبالتالي أوجدت أكثر من «حقيقة» لنقلها الى المشاهد. في هذه الأجواء، وفي غياب الصورة – الدليل على ما اقترف من فظاعات، يصبح السؤال مشروعاً: هل حقاً وقعت الحرب؟ والمقصود هنا الفظاعات.
    لكن المنع الإسرائيلي لم يكن العلة الوحيدة بالنسبة إلى ضعف التغطية الإعلامية الغربية. ففي الحالة البريطانية مثلاً، سجلت وقائع تعكس في مجموعها وجه الإعلام الرسمي البريطاني، وتطرح أسئلة صعبة في صلب العملية الإعلامية عن معنى المهنية والحياد في أوقات الحرب، ومعنى مراعاة القوانين التي تنظم البث (مؤسسة «أوفكوم»).
    فمن جهة، فتحت الأزمة التي أثارتها «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) زوبعة لم تهدأ بعد رفضها بث نداء إنساني لجمع التبرعات بهدف إغاثة المنكوبين في غزة، علماً أنها كانت بثت نداءات مشابهة في حالات مماثلة سابقة. وعلى رغم الضغوط الشعبية المتمثلة في تلقي الإذاعة آلاف الاحتجاجات المكتوبة، والضغوط الرسمية (انتقادات من 120 نائباً بريطانياً ومن أعلى مرجع ديني في البلاد رئيس الكنيسة الأنغليكانية أسقف كانتربري روان وليامز)، رفضت الإذاعة التراجع، ما طرح تساؤلاً عن حقيقة موقفها وادعائها الحياد، ووجهت لها اتهامات بالرضوخ لضغط اللوبي اليهودي، علماً ان الشعب البريطاني هو من يموّل الإذاعة من خلال رخصة التلفزيون.
    من جهة ثانية، وجهت انتقادات الى التغطية الإعلامية لـ «حرب غير الحروب، كانت أولى ضحاياها، الحقيقة»، على حد قول مذيع نشرة الأخبار في «القناة الرابعة» البريطانية جون سنو الذي أعد فيلماً وثائقياً بعنوان «غزة كما لم تُرَ» عرض في إطار سلسلة «ديسباتشز»، وتناول تجربة الإعلاميين الغربيين الذين عزلتهم إسرائيل عند حدود غزة. سنو طرح سؤالين في شريطه: لماذا لم يحتج الإعلاميون الغربيون على المنع الإسرائيلي ومعاملتهم بهذه الطريقة التي تتناقض مع قيمهم ومبادئهم الإعلامية؟ وهل يصح حظر بث صور مروعة مراعاة للقوانين التي تحظر مثل هذه الصور في ساعات الذروة تحسباً لخدش مشاعر المشاهدين والأطفال؟ بعد استطلاع رأي عدد من الإعلاميين، يجيب سنو على سؤاله بتساؤل: تُرى، لو كشف في وقت مبكر عن الفظاعات التي رآها الإعلاميون عندما دخلوا غزة بعد انتهاء الحرب، هل كانت حينها الضغوط الدولية على إسرائيل ستتصاعد لإنهاء الحرب مبكراً؟
    كثيرون يتفقون مع سنو في موقفه، ويدافعون عن حق بث الصورة كاملة، وثمة من يقول ان الحرب هي الجحيم، وان نقل الوقائع يجب ان يتم من دون قيود أو حساسيات أو حسابات، كي يكون المشاهد هناك... مع الضحية في وسط المعركة، وكي لا تفقد الدروس والعبر معانيها. على انه بين وعي المتلقي الحقيقي لحجم الحدث ومعانيه السياسية، وبين وعي المتلقي نفسه للعبة الإعلام وضوابطه ومعاييره وكواليسه وانفصاماته، تتولد مرارة خاصة لن تمر حتماً من دون تأثير كبير على طريقة تناول الإعلام للأحداث من الآن فصاعداً.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أبريل 18, 2019 10:28 pm